ابن عجيبة
366
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
سنة ، وقيل : أكثر ، وسيأتي . وأدرك داود عليه السّلام ، وأخذ منه العلم . وكان يفتى قبل مبعث داود ، فلما بعث قطع الفتوى ، فقيل له في ذلك ؟ فقال : ألا أكتفى إذا كفيت . وقيل : كان خياطا ، وقيل : نجارا ، وقيل : راعيا . وقيل : كان قاضيا في بني إسرائيل . وقال عكرمة والشعبي : كان نبيا ، والجمهور على أنه كان حكيما فقط . وقد خير بين النبوة والحكمة فاختار الحكمة ، وهي الإصابة في القول والعمل . وقيل : تتلمذ لألف نبي وتتلمذ له ألف نبي . قاله النسفي . قال ابن عمر : سمعت النبي صلى اللّه عليه وسلم يقول : « لم يكن لقمان نبيا ، ولكن كان عبدا كثير التفكر ، حسن اليقين ، أحب اللّه فأحبه ، فمنّ عليه بالحكمة . كان قائما فجاءه نداء : يا لقمان ، هل لك أن يجعلك اللّه خليفة في الأرض ، تحكم بين الناس بالحق ؟ فأجاب الصوت ، فقال : إن خيرني ربى قبلت العافية ، وإن عزم علىّ فسمعا وطاعة ، فإني أعلم إن فعل ذلك بي عصمني وأعانني . قالت الملائكة بصوت ولا يراهم : لم يا لقمان ؟ فقال : لأن الحاكم بأشد المنازل وأكدرها ، يغشاه الظلم من كل مكان ، إن يعن ، فالبحرى أن ينجو ، وإن أخطأ ؛ أخطأ طريق الجنة ، ومن يكن في الدنيا ذليلا ، خير من أن يكون شريفا ، ومن يختر الدنيا على الآخرة ؛ تفته الدنيا ، ولا يصيب الآخرة . فعجبت الملائكة من حسن منطقه ، فنام نومة فأعطى الحكمة ، فانتبه وتكلم بها « 1 » . ه . قال مجاهد : كان لقمان عبدا أسود ، عظيم الشفتين ، مشققّ القدمين « 2 » . زاد في اللباب : وكانت زوجته من أجمل أهل زمانها . قيل : لم يزل لقمان ، من زمن داود ، مظهرا للحكمة والزهد ، إلى أيام يونس بن متى . وكان قد عمّر عمر سبعة أنس ، فكان آخر نسوره « لبذ » . روى أنه أخذ نسرا صغيرا فربّاه ، وكان يصرفه في حوائجه ، فعاش ذلك النسر ألف سنة ومات ، ثم أخذ نسرا آخر ، فعاش خمسمائة سنة ، ثم أخذ آخر ، فعاش مثل ذلك ، إلى السابع ، عاش خمسمائة سنة ، واسمه لبذ ، فقال له لقمان يوما : يا لبذ انهض إلى كذا ، فأراد النهوض فلم يستطع ، وإذا بوتر لقمان قد اختلج ، وكان لم يألم قط ، فنادى بأهله وعشيرته ، وعلم أن أجله قد قرب ، وقال : إن أجلى قد حضر بموت هذا النسر ، كما أعلمني ربى ، فإذا مت فلا تدفنونى في الكهوف والمقابر ، كما [ تدفنون ] « 3 » الجبابرة ، ولكن ادفنوني في ضريح الأرض ، فدفنوه كما أوصاهم ، فقال ابن ثعلبة : رأيت الفتى ينسى من الموت حتفه * حذورا لريب الدّهر ، والدّهر آكله فلو عاش ما عاشت بلقمان أنسر * لصرف المنايا ، بعد ذلك ، حافله
--> ( 1 ) عزاه السيوطي في الدر ( 5 / 311 ) للحكيم الترمذي في نوادر الأصول ، عن أبي مسلم الخولاني ؛ مرفوعا . ( 2 ) أخرجه الطبري ( 21 / 67 ) . ( 3 ) في الأصول ( تدفنوا ) .